ابن أبي الحديد

58

شرح نهج البلاغة

قريش فيقولون : هم قوم محمد وقبيله . وأما قريش بينها فتقول : إن آل محمد يرون لهم على الناس بنبوته فضلا ، ويرون أنهم أولياء هذا الامر دون قريش ، ودون غيرهم من الناس ، وهم إن ولوه لم يخرج السلطان منهم إلى أحد أبدا ، ومتى كان في غيرهم تداولته قريش بينها ، لا والله لا يدفع الناس إلينا هذا الامر طائعين أبدا ! فقلت : جعلت فداك يا بن عم رسول الله ! لقد صدعت قلبي بهذا القول ، أفلا أرجع إلى المصر ، فأوذن الناس بمقالتك ، وأدعو الناس إليك ؟ فقال : يا جندب ليس هذا زمان ذاك . قال : فانصرفت إلى العراق ، فكنت أذكر فضل على على الناس فلا أعدم رجلا يقول لي ما أكره ، وأحسن ما أسمعه قول من يقول : دع عنك هذا وخذ فيما ينفعك . فأقول : إن هذا مما ينفعني وينفعك ، فيقوم عنى ويدعني . وزاد أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري : حتى رفع ذلك من قولي إلى الوليد ابن عقبة ، أيام ولينا ، فبعث إلى فحبسني حتى كلم في ، فخلى سبيلي . وروى الجوهري ، قال : نادى عمار بن ياسر ذلك اليوم : يا معشر المسلمين ، إنا قد كنا وما كنا نستطيع الكلام ، قلة وذلة ، فأعزنا الله بدينه ، وأكرمنا برسوله ، فالحمد لله رب العالمين . يا معشر قريش ، إلى متى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ، تحولونه هاهنا مرة ، وهاهنا مرة ! ما أنا آمن أن ينزعه الله منكم ويضعه في غيركم ، كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله ! فقال له هاشم بن الوليد بن المغيرة : يا بن سمية ، لقد عدوت طورك وما عرفت قدرك ، ما أنت وما رأت قريش لأنفسها ! إنك لست في شئ من أمرها وإماراتها ، فتنح عنها . وتكلمت قريش بأجمعها ، فصاحوا بعمار وانتهروه ، فقال : الحمد لله رب العالمين ، ما زال أعوان الحق أذلاء ! ثم قام فانصرف .